‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية رومانسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية رومانسية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 5 سبتمبر 2010

تحب تشرب شاي ؟ ج13

وقفت نهاد بمطبخ شقتها لتعد وجبة الغداء شاردة حزينة ؛ فهي لا تستطيع أن تنسى ما حدث لها من أحداث مؤرقة في الآونة الأخيرة ؛ تشعر بالظلم و الأسى و هي لا ذنب لها ؛ و حينما تتذكرة نظرة سيف إليها بآخر لقاء لهما تشعر بغصة شديدة في حلقها ، و رغما عنها ذرفت دموعاً حارة ألهبت وجنتيها و لتغرق في أحزانها مرة آخرى و حينما أفاقت من حزنها سمعت جرس الباب يرن فمسحت دموعها و غسلت وجهها الذي لم تؤثر فيه قطرات المياه لتخفي آثار حزنها فظلت عينيها حمروان ، و اتجهت إلى الباب و حينما فتحته سقط قلبها في قدميها حيث كان القادم سيف نفسه ، لم تستطع أن تتحدث لهول المفاجأة فنظر لها و إلى عينيها برفق و قال :

_ أيمكنني أن أتحدث معكِ قليلاً ؟

_ أنا بمفردي بالمنزل .

_ أعلم ؛ فنسرين ليست هنا

_ نسرين ؟ كيف عرفت إسم أختي ؟

_ أنا منتظرك بنفس المكان الذي تقابلنا فيه لأول مرة .

و انصرف دون أن يعرف حتى جوابها .

دلفت نسرين إلى ذلك المكان العشوائي و تلك الحارة الضيقة بثقة و ثبات غير عابئة بكلمات الغزل التي تتلقاها ، أو نظرات هؤلاء النسوة اللائي يجلسن عند أبواب بيوتهن يتجاذبن أطراف الحديث ، أو حتى معاكسات الأطفال الشقية لها ، و اتجهت إلى تلك القهوة التي تعج بالعديد من الناس وسألت صبي القهوة عن مكان ياسر فأشار لها عن محله الذي يعمل به فشكرته ثم اتجهت حيث أشار لها .

و قبل أن تدلف إلى المحل إذا به يخرج فصطدم بها و تتلاقى أعينهم فينظر لها باحتقار و تنظر له بقوة من سيحتقره بعد قليل غير عابئة بنظراته و قالت له :

_ لماذا فعلت ذلك ؟

_ لصدمتي فيكِ .

_ و ماذا عن كذبك عليّ ؟

صمت قليلاً ثم قال لها :

_ أعترف أنني كذبت عليكِ و لأغراض خبيثة أيضاً ، لكنني ندمت بعدها و قررت أن أمضي بحياتي شخصاً آخر نادماً على ما فعلت و هذا لأنني .. أحببتك بحق .

على الرغم من غضبها الشديد منه إلا أنها لا تنكر أن كلماته أثرت عليها فقالت له :

_ إسمعني جيداً .. بدايةً لم أكذب عليك في شيء و تركتك حينما تيقنت أنني لا أحبك و عرفت حقيقتك بعدها و لم أندم على معرفتي بك بقدر حزني عليك و على أحوالك ، شعرت تجاهك بالشفقة و سامحتك لكنك لم تعر ذلك اهتماماً فانتقمت مني شر انتقام حينما جرحت مشاعر أختي أمام خطيبها ، فرقت بين إثنين لا ذنب لهما في شيء سوى أن إحداهما هي أختي .

تعجب ياسر كثيرا من الصدمة التي تلقاها فصمت قليلاً ثم قال لها بمنتهى الجدية :

_ نسرين .. أسف العالم لن يكفي ليمحو ما حدث ، لقد أخطأت في حقك كثيراً ، لكن صدقيني فعلت ذلك لأنني أحببتك و لم أستطع تقبل فكرة أنكِ تعرفين كل يوم رجلاً ، لم أظن أبداً أنها أختك .

_ لا يهم ، ما حدث قد حدث ، المهم الآن أن تعدني ألا تتدخل بشؤن حياتي مرة آخرى أو حياة من يقربني .

_ صدقيني ، لن أفعل ذلك مرة آخرى و أرجوكِ سامحيني .

_ سامحتك بشرط ألا تخدع أحد مرة آخرى .

_ صدقيني .. لقد صرت شخصاً آخر و أعمل الآن بالنهار في ذلك المحل ، و أعمل ليلاً بالفندق الذي حدث فيه ما حدث .

_ أتمنى لك كل التوفيق .

و انصرفت بهدوء على وعد منه بألا يتعرض لها مرة آخرى ، حامدة الله على ما حدث حيث كان درساً هاماً لها .

نظرت نهاد إلى سيف متعجبة بتلك الكافيتريا التي تقابلا فيها من قبل و قالت له :

_ ماذا تريد مني ؟

_ لماذا لم تخبريني بأمر نسرين من قبل ؟

صمتت قليلاً ثم قالت له :

_ و كيف عرفت بأمرها ؟

_ لقد أتت إلي اليوم صباحاً و أخبرتني بكل شيء ، و عرفت بأمر سوء التفاهم الذي حدث .

_ لكن كيف عرفت هي ذلك ؟

_ لقد أخبرتها ريم بكل شيء و أخبرتها أنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً لأنك قطعتِ وعداً منها .

صمتت نهاد فقطع سيف صمتها قائلاً :

_ أنا آسف يا نهاد ، آه لو تعرفي عذابي بالأيام السابقة .

لم تجبه فهي لا تعرف بما تجيبه فقال لها :

_ أحبك .

انعقد لسانها من هول المفاجأة فقال لها :

_ نعم ؛ منذ اليوم الأول الذي رأيتك فيه و أنا أحبك ، احترت كثيراَ حينما لم تأتِ موعدنا مرةً آخرى ، و حينما وجدت بشركتي حمدت الله و صممت على أن تكوني لي ، كنت أراقبك كثيراً دون أن تدري حتى جاء اليوم الذي سألتك فيه عن موعدنا الثاني و لقاءنا الأول ، و بالرغم من أن كلامك لم يكن مقنعاً إلا أنني قبلته لأنني أحبك ، حتى قررت أن أتزوجك و ما زلت مصمماً على ذلك . هل تقبلينني زوجاً لك ِ .

لا تعرف ماذا تقول ؟ يا إلهي لقد عوضتني أخيراً بالشخص الذي أحببته ، لا أستطيع تحمل فرحة قلبي يا ربي فقالت له بفرحة كبيرة :

_ موافقة يا حبيبي .

فابتسم لها مربتاً على يديها برفق فسعدت كثيراً لكنها تذكرت شيئاً هاماً فقالت له :

_ أخبرني ما هي قصة نادية الشربيني ؟

قهقه بصوت عالِ و قال :

_ هل تغارين يا جميلتي ؟

احمرت نهاد خجلاً فقال لها :

_ نادية تزوجت منذ عامين و انفصلت عن زوجها لأنها كانت تحب شخصاً قبله ؛ كان زميلها بالجامعة لكن عمي لم يبارك الزيجة لأنه كان فقيراً فتركته و رضخت لأمر عمي ، و بعد انفصالها تقدم لها زميلها مرة آخرى خاصةً بعدما نجح بمشروعه الصغير فأتت لتأخذ برأيي خاصة لأنها تعتبرني مثل أخيها بالضبط .

ابتسمت نهاد و ارتاح بالها فقال لها :

_ ما رأيك بأن نتزوج بأقرب وقت ممكن ؟

ابتسمت ثم سرعان ما خطرت ببالها فكرة مجنونة فقالت له :

_ ما رأيك بفكرة .....

بعدها بإسبوعين ....

على أنغام الموسيقى و الصوت الهاديء الحنون الصادر بأرجاء القاعة احتضن سيف نهاد زوجته بحنان يتراقصون على هذه الأنغام الجميلة ، و بجانبهم رقص حسام برفقة نسرين بينما محمد برفقة ريم .

كانت السعادة على وجوه الجميع فقال سيف لنهاد :

_ هل أنتِ سعيدة ؟

_ بالطبع يا حبيبي . و أنت ؟ هل أعجبك الزواج الجماعي ؟

_ نعم ؛ أرى السعادة على وجوه الجميع ، فما أجمل أن يشاركنا الجميع فرحتنا .

ابتسمت نهاد و رمت برأسها فوق كتف زوجها فاحتضنها و قال لها بعد برهة :

_ أتعلمين ماذا أريد الآن ؟

_ ماذا ؟

_ أحب أشرب شاي ...

ضحكت نهاد فبادلها زوجها الضحك فنظرت إليها نسرين سعيدة لسعادة أختها ، و نظرت إليهم ريم فأطلقت لهم غمزة بعينيها فبادلاها تلك الغمزة بسعادة عامرة ....

تمت بحد الله .

تحب تشرب شاي ؟ ج12

وصلت نهاد إلى إحدى قاعات ذلك الفندق الشهير حيث كان موعد العشاءبرفقة سيف ملفتة أنظار العديد من الحضور إليها ممن اجتمعوا برفقة عائلاتهم أو لعقد اتفاقيات عمل جديدة مثل حالها . و بعد جلوسها إلى تلك الطاولة التي تقع بمنتصف القاعة و أمام حلبة الرقص و الموسيقى بدأت تتطلع حولها و لم يفت عليها إعجاب العديد من الفتيات بسيف و همساتهم عليه حيث كان يرتدي بزة سوداء محتفظاً بربطة عنقه الأنيقة و اعتداده بنفسه الذي اعتادت عليه ، و يبدو أن جدية العمل و مناقشاته قد زادت من وسامته ، ولم تعرف نهاد ماذا جرى لها ؟ فهي لا تستطيع التركيز بالاجتماع سوى نادراً و لا تعرف هل يرجع ذلك لأصوات الموسيقى الصاخبة ؟ أم لملاحظتها نظرات من حولها ؟ أم لقلقها على نفسها الناتج عن حيرتها .. نعم فهي حائرة لا تدري لماذا يسيطر على تفكيرها ؟ لماذا تهتم بأدق تفاصيله ؟ لماذا تغار عليه ؟ يا إلهي هل تحبه ؟ بالطبع ستكون حمقاء إذا فكرت في ذلك فهي تعلم أنه لا يهتم بها و تعلم جيداً أنه سيتزوج من إبنة عمه نادية الشربيني تلك الفتاة الجميلة التي زارته بمكتبه منذ أيام قليلة فزادت الأقاويل و الإشاعات من حقيقة انفصالها عن زوجها السابق لتتزوج سيف الذي تربطها به قصة حب قديمة ، أفاقت نهاد من شرودها على صوت سيف العميق يطلب منها بعض الأوراق لإنهاء الاتفاق الذي يعقده مع مستر هاملتون بشأن فتح فروع جديدة للشركة بأوروبا و لم يفت عليها نظرته التي تلومها على شرودها باجتماع هام هكذا فقررت أن تركز أفكارها على عملها و تتناسى تلك الأفكار الشاردة التي تذهب بها لعالم آخر و تكشف أمرها ، لذلك فقد بدأت توزع ابتساماتها بين مستر هاملتون و زوجته متحدثة بلباقة مساركة بفعالية في ذلك اللقاء الجاد ؛ و بآخر السهرة عند انتهاء موعد العمل كان الجميع راضياً بذلك العقد الذي يفتح أفاقاً جديدة للشركة و الذي أرضى جميع الأطراف بصورة متعادلة . سعدت نهاد لذلك كثيراً و بدأت تستمتع بوقتها بمشاهدة حلبة الرقص و الاستماع لمقطوعة موسيقية هادئة ثم لاحظت فجأة نظرات أحد العاملين بالفندق إليها فتعجبت من نظراته التي كانت مزيجاً من الشزر و العتاب و كأنه يعرفها من قبل ثم أفاقت من شرودها على صوت مستر هاملتون يستأذن هو وزوجته ليخلدا إلى النوم فودعتهم بابتسامة هادئة متمنية لهم ليلة سعيدة و نوماً هنيئاً ، ثم انصرفت برفقة سيف خارج الفندق و كانت الساعة لم تتجاوز العاشرة بعد فطلب منها سيف أن يتمشيا معاً بحديقة الفندق قليلاً ليحادثها بأمر ما فوافقت متسائلة في نفسها ترى فيم يريدها ؟و بدأت تسير بهدوء مستمتعة بالليل الهاديء و قمره المنير الذي عكس ضؤه على الأشجار و الخضرة الرائعة التي تبعث الراحة بنفسها و تضفي جوا ساحراً من الرومانسية بليلتها كما لو كانت بطلة لإحدى الروايات و قطع سيف الصمت قائلاً :

" أنتِ رائعة الليلة ؛ لم أر ابتسامتك هذه من قبل إلا نادراً . ابتسمي دائماً فهي تنير وجهك . "

احمرت خجلاً و قالت له :

" أشكرك . "

ضحك لها ثم قال مداعباً إياها :

" يبدو أن جمالك لم يمارس سحره على مستر هاملتون فقط بل على كل الحضور ؛ لقد التفتت إليكِ أنظار عدة تلك الليلة . "

تعجبت نهاد من إسلوبه في الحديث و تعجبت أكثر من ملاحظته لشيء كهذا في ليلة هامة تعج بأعماله فلم تجبه و اكتفت بابتسامة هادئة فقط فصمت قليلاً ثم قال :

" هل تقبلين الزواج بي يا نهاد ؟ "

توقفت نهاد عن السير و نظرت له مسدوهة لا تعرف بم تجيبه ؟ ثم سرعان ما حاولت أن تحتفظ برباطة جأشها فقالت له :

" ماذا ؟ "

" أريد أن أعرف جوابك حالاً يا نهاد . "

لم تعرف نهاد ماذا تقول فبالطبع هو ليس أول رجل يطلب منها طلباً كهذا لكنها لا تعرف كيف تجيبه ؟ هل تسأله عن مشاعره ؟ نعم فهو لم يخبرها بمشاعر حب دفينة تؤرقه مثل التي تؤرقها ، و لم يتحدث عن سبب رغبته بذلك ربما هو أعجب بها و ربما يراها فتاة مناسبة للزواج فأراد الارتباط بها ؛ لكن أيعقل هذا ؟ أيعقل أنه يريدها كزوجة فقط لأنها مناسبة ؟ و لم لا ؟ ألم يطلب محمد من أختها نفس الطلب دون أن يحبها ثم سرعان ما طلب نفس الطلب من صديقتها ريم لأنه أحبها من أول نظرة حب صادق ؟ أسئلة كثيرة دارت بخلدها و قيبل أن تسأله عن سبب رغبته في الزواج بها سمعت أصوات خطوات تقترب منهما فنظرت تجاه الصوت لتجد نفس العامل الذي كان ينظر إليها بالداخل منذ قليل يخبر سيف بتلقيه مكالمة من أحد أفراد أسرته بغرفة الاستقبال فاستأذنها سيف لينصرف بينما ظل العامل واقفاً يتطلع إليها فتعجبت أكثر ثم وجدته يقول :

" لا أصدق نفسي .. أنا .. ياسر .. خدعت الكثير بإسم الحب تأتي أنتِ الفتاة الوحيدة التي أحببتها بصدق تخدعينني ببراءتك و رقتك ، كم أنا نادم لمعرفتي فتاة مثلك لا تقدرين الحب تتلاعبين بالجميع أراكِ منذ أيام قليلة بأحضان رجل ثم أراكِ اليوم برفقة رجل آخر ، كم أنا آسف لمعرفة فتاة رخيصة مثلك . "

ثم انصرف بعدما أشبعها من نظراته التي تحتقرها دون أن تخبره أنها ليست نسرين لكنها فوجئت بسيف يأتي من خلفها ينظر لها باحتقار هو الآخر ففهمت أنه لم يذهب للمكالمة إذا كان في حقاً مكالمة واردة له ؛ و انه سمع حديث ياسر لها و قبل أن تدافع عن نفسها سمعته يقول بغضب شديد :

" يبدو أنكِ تخدعين الكثيرين أيتها البريئة ، إنسي حديثي و طلبي يا آنسة نهاد و اعتبري نفسك مفصولة من عملك . " ثم انصرف هو الآخر .

لم تشعر نهاد بنفسها إلا حينما فتحت باب الشقة لتجد نسرين تجري إليها تحتضنها بقوة و فرحة كبيرة قائلة :

" لماذا تأخرتِ اليوم يا نهاد ؟ فأنا أنتظرك منذ وقت طويل لأخبرك بالخبر السعيد . "

" أي خبر يا نسرين ؟ "

" لقد عرف حسام بأمر ياسر و لم يغضب بل تفهم الموضوع الحمد لله و أخبرني أنه لن يحاسبني على أي شيء بالماضي قبل أن أعرفه خاصة بعدما أكدت له أنه أول حب يحياتي . "

ابتسمت نهاد و قالت :

" حقاً ؟ كم أنا سعيدة لأجلك يا نسرين . إنه حقاً خبر جميل . "

" انتظري فأنا لم أخبرك بعد بالخبر السعيد ، لقد حددنا موعد الزفاف بعد إسبوعين منذ الآن إن شاء الله و سنسافر لقضاء شهر العسل بباريس بإذن الله . "

فرحت نهاد رغم الألم الشديد الذي تشعر به فبعد فراقها لسيف ستفارقها أختها أيضاً مثلما سستزوج ريم لكنها ابتسمت لأختها و قالت :

" مبروك يا نسرين ، كم أنا سعيدة لكِ يا أختي العزيزة . "

نظرت نسرين إلى نهاد حينما تنبهت فجأة لصوتها الحزين و سألتها مستفسرة بقلق واضح :

" نهاد .. هل أنتِ بخير ، أشعر كأنك حزينة . "

" لا ؛ أنا بخير فقط مرهقة بعض الشيء بسبب تأخر موعد العشاء و أريد أن أنام . "

" إذن فلتذهبي لسريرك و ارتاحي يا حبيبتي . "

قبلت نهاد نسرين ثم دلفت إلى غرفتها فألقت بحقيبة يدها و قامت بخلع فستناها ثم ارتدت بجامتها القطنية ثم ألق بنفسها فوق سريرها تحتضن وسادتها بشدة و تطلق آهات شديدة بصوت خافت و تذرف دموعاً ساخنة تعبر عن مآساتها .

مرت الأيام ثقيلة على نهاد ؛ لم تشعر بمرارة في حياتها من قبل مثل تلك المرارة التي تشعر بها حالياً ، تشعر و كأنها مكسورة ضعيفة تريد أن تترك تلك الدنيا التي ظلمتها و حرمتها من حبيبها لخطأ لا ذنب لها فيه ، و كلما تتذكر نظرات سيف إليها آخر مرة رأته فيها كانت تشعر و كأن سكين حاد بصدرها يؤلمها ، و ما زاد من حزنها هو ذلك اليوم الذي حضرت فيه ريم لتسألها عم حدث لتترك عملها خاصةً بعدما عينها سيف سكرتيرة مؤقتاً حتي يتم تعيين آخرى من جديد ، و حينها تأكدت نهاد من حزم قراره و أنه نسيها تماماَ ، حاولت الإفلات من أسئلة ريم المتكررة لكنها لم تستطع خاصة أنها كانت لديها الرغبة بأن تحكي ما حدث من شدة آلامها و أحزانها و لم تجد سوى صديقتها المقربة رفيقة عمرها خاصة لأنها لا تستطيع إخبار نسرين حتى لا تشعر بالذنب في هذه الأيام السعيدة التي تحضر فيها لحفل زفافها .

وألحت ريم عليها لتخبر سيف بالحقيقة لكنها رفضت بشدة و قطعت منها وعداص بألا تخبره مؤكدة أنها أصبحت بخير و أن قصتها منتهية بالرغم من علمها بقرارة نفسها أنها ليست بخير ، و قررت نهاد أن تسافر بعيداً بعد زواج نسرين لقضاء بعض الوقت مع نفسها بعيداً عن العالم و الناس حتى تسترد قوتها و تصفي أفكارها الشائبة .

تطلعت الفتاة الجالسة خلف المكتب تتصفح أوراق عديدة إلى مصدر ذلك الصوت الأنثوي فرأت فتاة جميلة ترتدي نظارة شمسية سوداء فقالت لها :

" هل هناك موعد سابق ؟ "

" لا ؛ لكنني أريده بأمر هام . "

صمتت الفتاة قليلاً ثم سألتها :

" سأسأله أولاً ؛ ما إسمك ؟ "

" لن يعرفني من إسمي ، فقط أخبريه أنني أريده بأمر هام . "

وقفت السكرتيرة متجهة لغرفة مديرها متعجبة قائلة في نفسها سأخبره و القرار يعود له ، لا شأن لي بذلك ، ثم عادت إليها بعد قليل لتسمح لها بالدخول . دلفت الفتاة إلى غرفة سيف و خلعت نظارتها الشمسية فنظر إليها متعجباً شذراَ و قال :

" كيف تجرؤين على المجيء هنا ؟ إخرجي فوراً و إلا ...

و قبل أن يكمل جملته نظرت له نسرين و قالت :

" قبل أن تكمل حديثك أريدك أن تنظر إلى تلك الوحمة و تخبرني هل رأيتها من قبل بذراع نهاد ؟ "

تحب تشرب شاي ؟ ج11

" لقد أصبحتِ بخير تماماً ؛ فقد زالت الالتهابات عن اللثة و لن تشعري بألم بعد الآن بإذن الله . "

وقفت ريم من جلستها إثر قيام محمد من كرسيه و قالت له :

" أشكرك كثيراً يا دكتور محمد .. حقيقةً الفضل يعود لك بعد الله . "

و همت بالخروج لكنه استوقفها سريعاً قائلاً :

" أرجوكِ ؛ انتظري يا آنسة ريم ، فأنا أريد أن أحادثك بموضوعٍ هام و لن أستغرق من وقتك الكثير . "

تعجبت ريم من لهجته الجادة حيث اعتادت على إسلوبه الساخر المضحك طوال الوقت ثم جلست أمامه قائلة بهدوء :

" تفضل . "

" حقيقةً منذ اليوم الذي رأيتك فيه لأول مرة شعرت و كأنك هبة نزلت عليّ من السماء ؛ لا تتعجبي من حديثي ؛ فأنا لم أؤمن بالحب خاصة من النظرة الأولى في حياتي قط ؛ لكن بعد أن رأيتك أيقنت أنه موجود . "

احمرت ريم خجلاً و قلبها يرقص طرباً إثر كلمات محمد التي لمست فيها الصدق و الحب و قبل أن تتحدث استكمل حديثه قائلاً :

" اسمعيني جيداً ؛ أريد أن أحدد ميعاد لأتقدم لكِ رسمياً ؛ و صدقيني تلك المرة أريد الارتباط بكِ لأنني أحبك حقاً و أتمنى أن تبادليني نفس المشاعر . "

" تلك المرة ؟ "

ابتسم محمد و قال :

" سأخبرك بكل شيء ....... "

*************************************

" من فضلك .. أود مقابلة سيف الشربيني . "

تطلعت نهاد من فوق أوراقها إلى مصدر ذلك الصوت الأنثوي الناعم لتجد امرأة في بداية الثلاثينات من عمرها طويلة القامة ممشوقة القوام .. ينسدل شعرها الأسود اللامع ليلفح بشرتها السمراء الناعمة برقة و جمال ظاهر .. لها عينان سودوان تذوب في سحرهما فوق أنف دقيق و شفتان كرزتان .. لم تستطع نهاد إخفاء ضيقها اللا مبرر من هذه المرأة فقالت لها بجفاء :

" من حضرتك ؟ "

جلست المرأة في ثقة واضحة لتضع ساقاً فوق الآخرى و ردت بصوت متعالِ :

" نادية الشربيني .. إبنة عمه . "

دلفت نهاد إلى حجرة سيف الملحقة بحجرة مكتبها و إثر سماعه الإسم هب واقفاً و خرج ليرحب بإبنة عمه التي نظرت له بإشراق إثر ترحيبه الشديد بها ، ثم دلفا معاً إلى حجرة مكتبه في حين خرجت نهاد و أمارات الغضب ظاهرة على ملامحها حيث وجدت ريم أمامها و التي بادرتها قائلة :

" نهاد .. كيف حالك اليوم يا صديقتي العزيزة ؟ "

" بخير .. الحمد لله ؛ لماذا تأخرتِ اليوم ؟ "

" سأخبرك لاحقاً ؛ أخبريني أولاً من هذه المرأة الجميلة ؟ "

" إنها إبنة عم الأستاذ سيف . "

" يا إلـهي كم هي جميلة ! ؛ يبدو أنه يهتم لأمرها كثيراً . "

" ألن تخبريني سبب تأخرك ؟ "

ابتسمت ريم و قالت :

" لقد كنت عند محمد . "

ابتسمت نهاد بدورها و قالت بخبث :

" محمد ؟ أتقصدين دكتور محمد ؟ أم شخصاً غيره ؟ "

ردت ريم بابتسامة مشرقة :

" بالطبع تعلمين من أقصد أيتها اللئيمة . "

ضحكا معاً ثم سألتها نهاد بجدية :

" حقاً أخبريني كيف حدث هذا التغير ؟ "

" لقد تقدم إليّ لكن الأهم من ذلك هو اعترافه بمشاعره تجاهي ؛ لقد أكد لي حبه من أول نظرة و أن هذا هو السبب الحقيقي من رغبته في الزواج بي "

ابتسمت نهاد و قالت بهدوء :

" أعلم إلامَ ترمين بكلامك هذا ؟ صدقيني لم يشعر محمد تجاه نسرين بأي مشاعر من الحب ؛ فقط أراد أن يرتبط بها لمجرد أنها مناسبة و هذا ما أكدته لي مراراً و تكراراً نسرين بنفسها ، عموماً أتمنى لكِ الحب و السعادة من كل قلبي . "

" أشكرك يا نهاد .. عقبالك يا رب ؛ فالحب أجمل إحساس بالوجود أتمنى أن تعيشيه عما قريب . "

فكرت نهاد في نفسها و تساءلت ترى هل يمكن أن تجد من يبادلها مشاعر الحب و الحنان في يوم من الأيام ؟ ترى هل يخبيء لها القدر فتى أحلامها الذي باتت تحلم به ليالِ عدة ؟ و لم تعرف لمَ جالت صورة سيف بخاطرها عند هذه الفكرة ؟ تعجبت من نفسها ثم سرعان ما أذاحت الفكرة من رأسها حينما أفاقت من شرودها على صوت سيف عند باب الغرفة يوصل نادية بنفسه ؛ و حينها خرجت ريم مسرعة حتى لا يسألها عن سبب تأخرها ، و بعد أن رحلت نادية أيضاً نظر سيف إلى نسرين و سألها :

" هل أنتِ مشغولة غداً ؟ أعني هل أنتِ مقيدة بأية مواعيد ؟ "

" لا أبداً . "

" جيد ؛ فأنا أريد أن أتناول معكِ العشاء غداً . "

" ماذا ؟ "

" أعني برفقة جون هاملتون و زوجته .. عشاء عمل .. فأنتِ تعلمين مدى أهميتهم لفتح فرع جديد للشركة بنيويورك . "

" حسناً ؛ سأستعد غداً و أكون جاهزة عند الموعد بإذن الله . "

" بإذن الله . "

ثم دلف مرة آخرى إلى حجرته بعد أن ألقى عليها تلك النظرة المتأملة التي اعتادت عليها و اعتادت على أن تغوص بأعماق أسرارها ...

**********************************

تأملت نهاد نفسها بالمرآة بعد أن أنهت زينتها حين شعرت بالرضا التام عن مظهرها ، حيث كان ذلك الفستان الأسود الكريستالي يعكس نعومة بشرتها البيضاء و تألقها ؛ فستان طويل بدون أكمام حيث توجد شريطة وردية اللون من الستان الناعم عند الخصر لتقوم بتحديده بشكل جذاب له فتحة صغيرة عند الصدر حيث وضعت بعض اللآليء التي تزيد من جاذبيتها ، قامت برفع شعرها بدبوس لامع بحيث تنسدل أطرافه على عنقها ؛ لم تضع الكثير من الزينة إلا ذلك اللون الوردي الذي صبغت به شفتيها و ظل العين الذي حددت به عينيها مع بعض حمرة الخدود فظهرت و كأنها أميرة ذاهبة لحفلها الراقص لتلتقي بحبيها الفارس ....

الثلاثاء، 27 أبريل 2010

تحب تشرب شاي ؟ ج2

جلست نهاد و هي مأخوذة لا تعرف شيئا .. حائرة لا تعرف ماذا دهاها ؟ .. لماذا هي مشدودة إلى ذلك الرجل الغريب الذي تراه لأول مرة ؟ ، لقد قابلت أثناء عملها العديد من الرجال من هم أكثر وسامة منه و لكنها لم تجد من يجذبها و يجذب جمالها مثل هذا الرجل . ترى هل هذا حب من أول نظرة أم أنه مجرد إعجاب ؟ حب !! لا ... لا يمكن أن يكون حتى إعجاب إنها فقط مشدوهة لا أكثر ، و استطردت من عقلها هذه الأفكار حتى تعرف تتحدث معه بلباقة مثلما وعدت نسرين . أفاقت من شرودها على صوته العميق الدافيء يسألها : " فيم تفكرين ؟ هل أنت على ما يرام ؟ " " نعم أنا بخير .. لا تقلق ؛ لكنني في الحقيقة في عجلة من أمري و حضرت إلى هنا منذ وقت طويل . " " لو كنت أعرف أنني سأقابل هذا الجمال و تلك العيون الساحرة الجذابة كنت حضرت من وقت طويل " دق قلبها لهذا الإطراء و لكنها دائما كانت تسمع الكثير من كلمات الغزل و اعتادت عليها؛ لماذا هي مضطربة الآن كأنها ما زالت في سن المراهقة ؟ و استجمعت شتاتها و قالت له باتزان : " أشكرك كثيرا على هذا الإطراء ؛ لكنني متعجلة .. أريد أن أمشي .. بعد إذنك " نظر إليها نظرة شك و قال لها : " كما تحبين ..... سعدت كثيرا بلقائك " نظرت إليه كأنها مسحورة و تريد أن تملأ عينيها من ملامحه الشعر الأسود اللامع و تلك العينان الساحرتان السودوان ... و جسده الرياضي صحيح البنية . و أفاقت من نظراتها على صوته يسألها في تشكك : " هل أنت متأكدة أنك بخير ؟ " ردت بسرعة و هي تقف و تأخذ حقيبتها : " نعم أنا بخير ؛ و لكنني مضطرة أن أمشي ..... إلى اللقاء " نظر إليها في لهفة متسائلا : " هل سأقابلك مرة آخرى ؟ " نظرت إليه محاولة الابتسام : " نعم ؛ ما رأيك في يوم الثلاثاء القادم ؟ " ابتسم في فرح و قال لها : " نعم إنه مناسب جدا ؛ سأنتظرك الساعة الثامنة مساءا هل يوافقك ؟ " " نعم ؛ إلى اللقاء . " و بسرعة اتخذت خطواتها لتمشي و لكنه استوقفها و هو يمد يديه ليسلم عليها : مدت يديها المرتجفتين و لمست يديه و حينها خفق قلبها بشدة و سحبت يديها بسرعة ، لاحظ هو ذلك ناظرا إليها بسخرية قائلا : " إلى اللقاء . " سارت بخطوات سريعة مرتبكة و هي تشعر كأن نظراته مصوبة إليها حتى خرجت من الكافيه . سارت بجوار النيل وقت المساء و هي حزينة حائرة. حزينة لأنها لن تراه مرة آخرى و هذا الحزن كان يحيرها أكثر . لماذا تشعر بذلك الانقباض ؟ لماذا انجذبت إليه هكذا ؟ إنها لا تريد أن تشعر ناحيته بشيء فهي تعلم أنه إذا كان ينظر إليها بلهفة فتلك اللهفة ل ( نسرين ) و ليست لها . نسرين ؟! نعم نسرين .... سامحيني يا نسرين على تلك المشاعر إنها ليست بيدي .؛و لكن اطمئني يا أختي العزيزة لن أقابله مرة آخرى و سأفعل ما بوسعي حتى تتزوجيه إذا كان يحبك فعلا ، أما بالنسبة لي فهذه مجرد مشاعر حيرة و تخبط لا تعني لي شيئا و لن أفكر فيه فيما بعد . وصلت نهاد البيت و حينما فتحت الباب وجدت أختها تنتظرها بلهفة و هي مسرورة و تسألها بسرعة : " هل قابلتيه ؟ ما هو شكله ؟ هل هو جذاب ؟ هل أعجبتك شخصيته ؟ ما رأيك فيه ؟ لماذا تأخرت ؟ " جلست نهاد على أقرب كرسي لها و هي تصطنع ابتسامة لنسرين و قالت : " ما كل هذه الأسئلة ؟ " " أرجوك يا نهاد فلتجبيني بسرعة " " قابلته بعد ما تأخر ساعة عن الموعد ، و هو جذاب سيعجبك إن شاء الله ، و لم أتحدث معه كثيرا لأنني لا أعرف إسمه.. كيف لك ألا تخبريني بإسمه ؟! " " يا إلهي كيف لي أن أنسى ؟ و لكنك لم تذكريني أيضا " " لا يهم ؛ لقد تحججت بأنني في عجلة من أمري حتى لا أتحدث معه كثيرا ؛ و لذلك لا أستطيع أن أحكم عليه و لكن يبدو لي لطيفا " نظرت نسرين إلى أختها في فرح و قبلتها قائلة : " شكرا لك يا أختي العزيزة . إنني سعيدة اليوم لقد نجحت في لقائي مع المدير و تم تعييني ؛ و أيضا أنت نجحت في مقابلتك ل ( ياسر ) " نظرت لها نهاد و هي تبادلها ابتسامتها قائلة : " مبروك .. الحمد لله على فكرة سيقابلك الثلاثاء القادم الساعة الثامنة مساءا " " جيد إنه موعد مناسب لي .. أشكرك مرة آخري يا نهاد ، عقبال اليوم الذي تقابلين فيه شريك حياتك " نظرت إليها نهاد و هي تصطنع ابتسامة قائلة : " لقد مشيت كثيرا ؛ سأقوم و أتركك لأنام .. هل تريدين شيئا ؟ " " لا يا حبيبتي فلتنامي ، و لكن ألن تأكلي ؟ " " لا أريد ، أريد أن أنام فقط " مددت نهاد جسدها على السرير محاولة الهروب من أفكارها حتى تعرف تنام و بالفعل راحت في سبات عميق ، و فجأة استيقظت على صوت نسرين تهزها بسرعة و كأن مصيبة حدثت و تناديها بسرعة : " نهاد .... نهاد .... استيقظي " نهضت نهاد بسرعة متسائلة : " ماذا بك ؟ ماذا حدث ؟!!!!! " ردت نسرين محاولة أن تلاحق أنفاسها : " كنت أود أن أتحدث مع ياسر على النت كالعادة و لكني لم أجده ، اتصلت به فوجدته يرد عليّ و هو مرهق كثيرا يعتذر لي عن الموعد ، يخبرني أنه لم يذهب لأنه قام بحادث " اندهشت نهاد كثيرا محاولة أن تتكلم و لكنها لم تستطع سوى أن تقول : " ماذا ؟ لم يذهب ؟ إذن من هذا الذي قابلته ؟! "

الأربعاء، 21 أبريل 2010

تحب تشرب شاي ؟ ج1

" لا؛ لابد أنك تمزحين " قالتها نهاد في شبه استغراب إلى أختها توأمها نسرين و التي ردت عليها قائلة : " لماذا ؟ و ماذا في ذلك ؟ " " ماذا في ذلك ؟! كيف تطلبين مني الذهاب لمقابلة شاب لا أعرفه و لم أقابله من قبل ؟ فإذا تغاضينا عن أنه شاب و من الخطأ أن أقابله سواء بمفردي أو مع أحد فكيف نتغاضى عن أنني لا أعرفه و لا أعرف حتى شكله ؟! " ردت نسرين في محاولة يائسة لإقناع أختها نهاد التي تكبرها بخمس دقائق فقط قائلة : " أنا أيضا لا أعرف شكله و كنت سأقابله " " بالرغم من أن ذلك خطأ فأنت على الأقل تحدثت معه من قبل عن طريق الإنترنت و عرفت عنه أشياء ؛ طريقة تفكيره .... إسلوبه في الحديث .....و ما إلى ذلك " " إذا قمت بالمقارنة ستجدين أنه لا فرق بينك و بيني أو بين هذا و ذاك " " نعم ... أعلم ذلك ، و لكنني أيضا خائفة فهذا شيء جديد عليّ ؛ أنت تعلمين جيدا أن تلك هي المرة الأولى التي أقابل فيها رجلا أو شابا بمفردي كما أنني لا أجيد حتى الحديث معهم " " لا تخافي كل ما عليك فعله هو الذهاب متأنقة _ على طريقتي و إسلوب ملابسي أنا طبعا _ تقابلين ذلك الرجل و تتحدثين معه بشكل لائق لطيف كأنك نسرين لا نهاد ، و هو كذلك ؟ " ردت نهاد و هي شاردة بدون أدنى اقتناع : " و هو كذلك ، و لكن كيف سأعرفه أو يعرفني إذا كان لم يرك من قبل مثلما تقولين ؟ " " سيرتدي بنطلون جينز لونه بيج فاتح و قميص لونه أزرق زرقة السماء لبني تقريبا و حذاء و حزام جلد لونهم بني غامق ، و أنت سترتدين أي ملابس من عندي فلم نتفق سوى على ملابسه و ألوانها حتى يعرف بعضنا الآخر " تنهدت نهاد بعمق قائلة : " و هو كذلك " و أردفت نسرين مسرعة و كأنها تذكرت شيئا هاما : " لا تنسي السؤال الهام الذي ستقوليه أول اللقاء . " تسائلت نهاد في دهشة : " ما هذا السؤال ؟ " " تحب تشرب شاي ؟ " " ماذا ؟ " ضحكت نسرين حينما رأت علامات التعجب على وجه نهاد و قالت : " نعم ؛ حينما ترينه بتلك الملابس عليك أن تذهبي إليه و تقولين ذلك السؤال و حينها سيعرف أنه أنت نسرين " " حسنا ؛سأذهب لأجلك أنت فقط " قبلتها نسرين بسرور ؛ و بالفعل ذهبت نهاد إلى المكان المقصود _ كافيه سهر الليالي _ الذي يطل على نهر النيل بعدما اختارت ما يلائم زوقها من ملابس أختها نسرين . اختارت نهاد مائدة تواجه الباب الأمامي للكافيه حتى ترى كل الأشخاص و الوجوه التي تدخل إلى الكافيه ، و حينما جلست بدأت تبحث عن ذلك الرجل المجهول الذي جذب أختها نسرين و لكنها لم تجد أحد يرتدي ملابس بيج و زرقاء اللون . لماذا تأخر هذا ال ........ ؟ يا إلهي لقد تذكرت شيئا هاما ..... إنها لا تعرف حتى إسمه ! كيف لها أن تنسى أن تسأل نسرين على إسمه ؟! و لكن هل كانت تعمل متنبئة أو كانت تنجم فكيف كانت ستعرف أنها ستقابله في يوم من الأيام ؟ و هنا بدأت تسترجع بعض الذكريات ...... إن نسرين هي أختها الوحيدة و التي تبقت لها في هذا الوجود ، فمنذ حوالي ثلاثة أعوام توفي والدهما و والدتهما و كان ذلك بعد تخرجهم بشهور حيث كان الوالد و الوالدة يذهبان في سيارتهما إلى الإسكندرية حينما قاما بحادث و توفي الاثنان ، صدمت الفتاتان لدى سماعهم هذا الخبر فهم لا يملكون خال أو عم أو أي أقارب، و قرر الإثنان الاعتماد على أنفسهم في هذه الحياة . و في الحقيقة كانتا محظوظتين حيث ترك لهم الوالد أموالا لا بأس بها في البنك ؛ كما أنهم كانوا حديثي التخرج و يمكنهم العمل في أي مكان ؛ و بالفعل تقدمت نهاد للعمل في إحدى شركات السياحة كمرشدة سياحية و تم قبولها ؛ و ساعدها على ذلك جمالها الفتان و لباقتها في الحديث و إتقانها للغتين الإنجليزية و الفرنسية ؛ و كانت تتقاضى راتبا جيدا و تبذل في سبيله مجهودات كثيرة ؛و في تلك الفترة كانت نسرين ما زالت تجلس في البيت بدون عمل و بحثت عن عمل لم تجد مطلقا و كانت بالطبع تمل من تلك الحياة لأنها محبة للحياة و تفضل الانطلاق . و من حوالي شهرين تغيرت نسرين تماما و كانت نهاد تشعر بذلك و حينما سألتها لم تخبرها نسرين بشيء متحججة بأنها استسلمت للأمر الواقع و أنها تقدمت للعمل بإحدى شركات الطيران كمضيفة جوية و من الممكن أن يتم قبولها و لكنها منتظرة أن يقوموا بتحديد ميعاد لمقابلتها أولا و اختبار لغتها و رؤية مظهرها . لم تقتنع نهاد بذلك الكلام لكنها لم تكن لحوحة و لم تلح على أختها حتى تخبرها الحقيقة خاصة أنها تعرف أن نسرين لا تخفي عنها شيئا و تخبرها دائما بكل شيء . و أمس كانت يبدو عليها إمارات الغضب و الضيق و حينما سألتها نهاد عن سبب ضيقها أخبرتها أنها كانت تتحدث مع شاب تعرفت عليه عن طريق الإنترنت و هو يعمل مهندس كمبيوتر بإحدى شركات الكمبيوتر ؛ أعجبت جدا بكلامه و طريقة تفكيره و أراد أن يقابلها و اعترضت في البداية لكنه ألح و أخبرها أنها إذا لم تقابله في تلك المرة لن يقابلها و لن يعرفها مطلقا ؛ فوافقت و أرادت هي الآخرى أن تتعرف عليه عن قرب و ترى شكله و تراه وجها لوجه و لن تخسر شيئا لأنها فقط ستقابله باحترامها ، لكن القدر أفسد جميع مخططاتها و جعلها مجبرة أن تخبر نهاد . لقد اتصلت بها الشركة التي تقدمت للعمل بها و حددت معها موعد لمقابلة مدير الشركة ، و كان الميعاد في نفس الوقت الذي حدده لها ذلك الشاب ليقابلها ؛ و هي حائرة إذا ذهبت للشركة ستخسره و من الممكن ألا تكسب وظيفتها ؛ و أيضا إذا ذهبت إليه من الممكن أن تفقد وظيفة لطالما حلمت بها و محتمل الا يعجبها أو ألا تكسبه فماذا تفعل ؟! هكذا أخبرت نهاد بكل شيء ؛ غضبت نهاد بالطبع في البداية من نسرين لأنها تصرفت خطأ و أيضا أخفت عليها أمرا من أمورها الشخصية و لكن حينما رأت الحزن في عينيها حزنت من أجلها و أرادت أن تساعدها لكنها لم تعرف كيف ؟ و هنا لمعت عينا نسرين و كأنها اكتشفت فكرة شيطانية ، و أخبرت نهاد بالفكرة .. بما أن الفتاتين توأمان و الشبه بينهم تام كأنهم أصل واحد و متطابقين تماما .. فمن الممكن أن تذهب نهاد لمقابلة الشاب و تذهب نسرين لمقابلة مدير الشركةو لن يلاحظ الشاب أي فرق إذا رأى نسرين الحقيقية فيما بعد ؛ لطالما حدثت مواقف طريفة بسبب ذلك الشبه الذي بينهما ؛ فوالدها و والدتها أنفسهم لم يستطيعا في يوم من الأيام أن يحدثوا فرقا بينهم أو يميزوهم من بعض لولا تلك الوحمة التي توجد على ذراع نسرين و لا توجد عند نهاد . وافقت نهاد بعد إصرار محدثة نفسها أنه فعلا لا يوجد فرق بينها و بين نسرين شكلا و في الملامح ، و لكن يوجد اختلاف كبير في التفكير ؛ فبالرغم من أن نهاد أكبر من نسرين بخمس دقائق فقط لكن الفرق بينهم في التفكير كأنه سنوات ، و قالت نهاد في نفسها سأرى ذلك الرجل الذي استطاع أن يخطف قلب نسرين من كلامه فقط و ربما يكون شخص جيد و مناسب لعلها تستطيع أن تحكم عليه من أول مرة تراه فيها ؛ بالرغم من أنها ليست لديها أي خبرة في أي شيء من هذه العلاقات لكنها تعمل و تقابل ناس كثيرة كل يوم و تستطيع أن تحكم عليه لعلها تطمئن على أختها . أفاقت نهاد من شرودها على أصوات خطوات تقترب ؛ نظرت إلى القادمين و لكن للأسف لم تجده بينهم ؛ نظرت إلى ساعتها فوجدت أنها تنتظره ساعة بأكملها و سيادته لم يشرف بعد ، اتصلت بنسرين على الهاتف الخلوي وجدته مغلقا طبعا لأنها الآن في الشركة تقابل مديرها للعمل ؛ اتصلت برقمه الذي أعطته لها نسرين وجدته هو الآخر مغلقا فقررت أن تمشي ؛ و بالفعل غادرت و هي غاضبة لأن أكثر شيء تكرهه في حياتها هو عدم مراعاة المواعيد و كادت أن تصطدم بشخص فحاولت أن تتفاداه و لا تصطدم به حينها التوى كاحلها و كادت أن تقع أرضا حينما وجدت يد قوية تمسكها من خصرها بقوة لكي لا تقع أرضا . اعتدلت في وقفتها تشكر ذلك الشخص و فوجئت برجل جذاب ؛ شعرت بنبضات قلبها تتسارع لدى رؤيته و لم تعرف ما دهاها ، لقد قابلت العديد من الرجال بحكم عملها لكنها لم تقابل يوما من يجذبها بذلك القدر، و فجأة لفت نظرها شيئا هاما القميص الذي يرتديه لونه أزرق فاتح زرقة السماء أو لبني تقريبا و البنطلون لونه ... نعم بيج فاتح ...... و الحذاء و الحزام ....... يا إلهي لونهم بني ........ إنه هو ...... أفاقت من تأملها و شرودها على صوته العميق الحنون يسألها : " هل أنت بخير ؟ هل تريدين بعض الماء أو الجلوس ؟ " ردت بسرعة دون أدنى تفكير : " تحب تشرب شاي ؟ " نظر لها نظرة عميقة خاطفة تتفحصها من رأسها حتى أخمص قدميها متأملا الشعر الأسود الحريري الذي ينسدل على كتفيها في نعومة ؛ و الأنف المستقيم و الشفتان الكرزتان ؛ و الجسم النحيل المتناسق و الفستان الحريري الأزرق الذي يعكس زرقة عينيها الجذابتين ؛ و نظر لها في شبه تهكم و تعلو وجهه ابتسامة سخرية قائلا : " نعم ...... أحب جدا "